مــــدونـة الكاتب ( إبراهيم النعاجي ) كــاتب وناشط ليبي مـعـــــاً من أجـــل تحقيق الأفضل فــي لـــــيبيـــــا

الاثنين، 19 يناير 2026

معركة الشقيقة في ترهونة… حين هُزمت إيطاليا خارج كتبها الرسمية بقلم | إبراهيم محمد النعاجي

 


معركة الشقيقة في ترهونة… حين هُزمت إيطاليا خارج كتبها الرسمية

بقلم | إبراهيم محمد النعاجي

لم تكن معركة الشقيقة مجرد اشتباك عسكري عابر في تاريخ الجهاد الليبي، بل مثلت لحظة كاشفة لانكسار المشروع الاستعماري الإيطالي في غرب ليبيا، وتحديدًا في مدينة ترهونة، التي تحولت سنة 1915 إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين إرادة الأهالي وقوة الاحتلال.

تقع الشقيقة في أحد الأودية القريبة من ترهونة، وهي منطقة ذات طبيعة جغرافية معقدة، تجمع بين المرتفعات والمسالك الضيقة، ما جعلها موقعًا مثاليًا لحرب الكرّ والفرّ، وهو ما أدركه المجاهدون مبكرًا، في مقابل جهل القوات الإيطالية بطبيعة الأرض والمجتمع معًا.

ترهونة تحت الاحتلال: الهدوء الخادع

بعد احتلال إيطاليا لطرابلس سنة 1911، سعت إلى تثبيت وجودها في المدن الداخلية عبر حاميات عسكرية معزولة، من بينها ترهونة. ورغم المظهر الهادئ الذي حاولت سلطات الاحتلال فرضه، فإن المدينة كانت تغلي برفض شعبي واسع، غذّته السياسات القمعية، ومصادرة الأراضي، والإهانات المتكررة للسكان.

مع بداية سنة 1915، كانت الحامية الإيطالية في ترهونة تعيش عزلة فعلية، بعد اتساع رقعة المقاومة في العزيزية، وسوق الجمعة، وجبل نفوسة، وهو ما دفع المجاهدين إلى الانتقال من حالة الترقب إلى الفعل المنظم.


من الحصار إلى الانفجار

بدأت معركة الشقيقة فعليًا بفرض حصار غير معلن على الحامية الإيطالية، تم خلاله قطع طرق الإمداد، ومراقبة تحركات الجنود، واستنزافهم نفسيًا. لم يكن الهدف اقتحام المدينة مباشرة، بل جرّ القوات الإيطالية إلى خارج مواقعها المحصنة، وإجبارها على القتال في أرض لا تعرفها.

في منتصف مايو 1915، حاولت القيادة الإيطالية كسر الحصار بإرسال قوة عسكرية من العزيزية، لكنها وقعت في كمين محكم في محيط وادي الشقيقة والمناطق المجاورة. تكرر السيناريو نفسه مع قوة إسناد أخرى، ما أدى إلى خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، وأسر عدد من الجنود، وغنم كميات معتبرة من السلاح.

تكتيك ليبي أربك جيشًا أوروبيًا

ما يلفت في معركة الشقيقة ليس عدد المقاتلين أو الأسلحة، بل طريقة القتال. فقد اعتمد المجاهدون على:

تقسيم القوة إلى مجموعات صغيرة متحركة

استخدام الأرض كجزء من الخطة العسكرية

ضرب خطوط الإمداد بدل المواجهة المباشرة

الانسحاب المنظم بعد كل هجوم

وهو أسلوب سبق ما يُعرف اليوم بحرب العصابات، وأثبت فعاليته في مواجهة جيش نظامي مدجج بالسلاح لكنه فاقد للمرونة.

قيادة بلا مركز… ومقاومة بلا اختراق

لم يكن للمقاومة في ترهونة قائد واحد ظاهر، بل كانت تُدار عبر تنسيق قبلي وميداني ذكي، ما صعّب على الاستخبارات الإيطالية اختراقها أو تصفية قياداتها. كما لعب المجتمع المحلي دورًا حاسمًا، حيث شارك الأهالي في الإمداد، وإخفاء السلاح، ونقل الأخبار، بل ومعالجة الجرحى، في صورة نادرة من التلاحم المدني العسكري.

نتائج تتجاوز ساحة المعركة

أجبرت خسائر الشقيقة إيطاليا على إعادة حساباتها في غرب ليبيا، وسحبت قواتها من ترهونة لفترة، ما جعل المدينة واحدة من أوائل المناطق التي تحررت فعليًا بقوة السلاح الشعبي. كما ساهمت المعركة في رفع الروح المعنوية للمجاهدين في مناطق أخرى، ورسّخت قناعة أن الاحتلال يمكن هزيمته، لا فقط مقاومته.

لماذا غُيّبت معركة الشقيقة؟

رغم أهميتها، لم تحظَ معركة الشقيقة بمكانتها المستحقة في كتب التاريخ، ويعود ذلك إلى اعتماد السرد الاستعماري الإيطالي على تجاهل الهزائم المحلية، إضافة إلى ضعف التوثيق المكتوب للمصادر الليبية، واعتماد كثير من أحداث الجهاد على الرواية الشفوية.

خاتمة

معركة الشقيقة ليست ذكرى محلية تخص ترهونة وحدها، بل صفحة وطنية تؤكد أن الليبيين، حين توحدوا حول الأرض والكرامة، استطاعوا أن يهزموا قوة استعمارية حديثة بإمكانات بسيطة وإرادة صلبة. وإعادة كتابة هذه المعارك اليوم ليست ترفًا تاريخيًا، بل واجب وطني في مواجهة النسيان والتزييف.

المصادر

موقع المعرفة: معركة الشقيقة

وثائق محلية عن الجهاد في غرب ليبيا (1911–1916)

روايات تاريخية متداولة لدى باحثي تاريخ ترهونة

تقارير إحياء الذكرى السنوية لمعركة الشقيقة

الأحد، 18 يناير 2026

**الأحباش في ترهونة حين استخدم الاستعمار ضحاياه لقمع ضحاياه** بقلم | إبراهيم محمد النعاجي

 


**الأحباش في ترهونة

حين استخدم الاستعمار ضحاياه لقمع ضحاياه**

بقلم | إبراهيم محمد النعاجي

لم يكن الاحتلال الإيطالي لليبيا مجرد غزو عسكري تقليدي، بل مشروع قهرٍ متكامل استباح الأرض والإنسان، ولم يتورّع عن استخدام كل الوسائل الممكنة لإخضاع الليبيين، حتى تلك الأكثر انحطاطًا أخلاقيًا، وعلى رأسها تجنيد شعوبٍ مستعمَرة لقمع شعبٍ آخر.

في هذا السياق، برز دور الجنود الأحباش ضمن ما عُرف بالجيش الاستعماري الإيطالي، الذين زُجّ بهم في معارك لم تكن معاركهم، وعلى أرض لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وكان لمدينة ترهونة نصيب من هذا الفصل القاتم.


أمام المقاومة الليبية المتصاعدة، أدركت إيطاليا أن جنودها النظاميين عاجزون عن حسم المعركة، فاختارت الطريق الأسهل والأكثر دموية تقليل خسائرها البشرية على حساب دماء الليبيين. فاستقدمت قوات من مستعمراتها في القرن الإفريقي، من إريتريا والصومال ومناطق حبشية، واستخدمتهم كأدوات طيّعة لتنفيذ سياسة الإخضاع والعقاب الجماعي.

في محيط ترهونة، شاركت هذه الوحدات في الحملات التي استهدفت القرى، وطاردت المقاومين، وأمّنت الطرق بالقوة، في محاولة لكسر إرادة السكان وبثّ الرعب في نفوسهم. لم تكن تلك العمليات سوى امتداد لسياسة استعمارية معروفة، تقوم على فصل الجندي عن إنسانيته، وتحويله إلى وسيلة قمع بلا هوية ولا قضية.

لكن الحقيقة التي لا يجوز القفز عليها هي أن المجرم الحقيقي كان الاستعمار الإيطالي، الذي لم يكتفِ باغتصاب الأرض، بل صادر إرادة البشر، وفرض على فقراء ومقهورين من شعوب أخرى أن يكونوا وقودًا لحروبه. جنود الأحباش لم يكونوا صُنّاع القرار، بل نتاج منظومة قهر واحدة، وإن اختلفت مواقعهم داخلها.

ورغم ذلك كله، لم تنكسر ترهونة. فقد واجه أهلها الاحتلال وأدواته بصمود نادر، ورفضوا الخضوع لمنطق القوة، وساهموا، مع غيرهم من المدن الليبية، في الحفاظ على جذوة المقاومة مشتعلة. كانت ترهونة جزءًا من الوعي الوطني المبكر بأن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع، مهما تعددت وجوه القمع.

إن استدعاء هذا التاريخ اليوم ليس نبشًا في الماضي، بل ضرورة لفهم كيف يعمل الاستعمار، وكيف يستخدم الضحايا ضد بعضهم، بينما تبقى الحقيقة واحدة الاستعمار واحد والجريمة واحدة والمقاومة وحدها كانت الموقف الأخلاقي الصحيح.

المصادر والمراجع

علي عبد اللطيف أحمد

ليبيا أثناء الاحتلال الإيطالي (1911–1943)

دار الفرجاني للنشر – طرابلس.

خليفة محمد التليسي

معارك الجهاد الليبي ضد الغزو الإيطالي

الدار العربية للكتاب – ليبيا / تونس.

أنجلو ديل بوكا (Angelo Del Boca)

Italiani, brava gente?

Neri Pozza – إيطاليا.

(مرجع أساسي حول جرائم الاستعمار الإيطالي واستخدام القوات الاستعمارية).

جورجيو روكات (Giorgio Rochat)

Le guerre italiane 1935–1943

Einaudi – تورينو.

(يوثّق دور القوات الاستعمارية الإفريقية «Ascari»).

إيفانز-بريتشارد (E. E. Evans-Pritchard)

The Sanusi of Cyrenaica

Oxford University Press.

(حول المقاومة الليبية وسياسات القمع الاستعمارية).

أرشيف الجيش الإيطالي الملكي

Archivio dell’Esercito Italiano – Corpo Truppe Coloniali

(وثائق حول تجنيد واستخدام القوات الإفريقية في ليبيا).

مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية

طرابلس

(منشورات ودراسات حول المقاومة الليبية وفترة الاحتلال).

الثلاثاء، 13 يناير 2026

مصادفة لمؤرخ فرنسي تكشف فظائع إيطاليا في ليبيا

 

مصادفة لمؤرخ فرنسي تكشف فظائع إيطاليا في ليبيا

 إحياء الأرشيف المنسي

الصدفة تكشف عن مئات الصور والوثائق النادرة للفظائع الإيطالية في طرابلس

في عام 2008 فيما كان المؤرخ الفرنسي بيير شيل ينقّب في أرشيفات إقليم هيرولت في جنوب فرنسا، بحثا عن وثائق تتعلق بإضرابات عمالية وبوثائق لأحد الكتاب والأطباء الفرنسيين، إذ وقعت عيناه على وثائق بصرية غيرت مسار عمله لأزيد من عشر سنوات لاحقة، إنه لقاء الصدفة الحاسمة بين المؤرخ والأرشيف.. كما تصفه الباحثة الإيطالية كيارا باغانو.

كان الاكتشاف عبارة عن ثلاثين صورة بلا شروح، وبلا تاريخ، وبلا تحديد للمكان، منزوعة من أي سياق، لكنها تُظهر بوضوح مشاهد عنف استعماري فظيع، ما طرح سيلا من الأسئلة، تحولت إلى مشروع بحث واستقصاء يتمحور حول الحياة المسلوبة التي تحتفظ تلك الصور بذاكرتها، قادت شيل في النهاية إلى اكتشاف أن الصور تخص الكاتب والمراسل الصحفي غاستون شيرو، لاحقا.. توسعت المجموعة لتتجاوز 200 صورة، وعشرات الوثائق والمراسلات، لتشكل في النهاية كتابا جديدا “إيقاظ أرشيف حرب استعمارية” أو بالفرنسية: “Réveiller l’archive d’une guerre coloniale” والذي أصبح من بين أكثر الكتب إثارة للاهتمام في مجال الدراسات الاستعمارية والأرشيفية.

وصل غاستون شيرو، الصحفي والكاتب والمصور الفرنسي إلى طرابلس في شهر نوفمبر عام 1911، بتكليف من قبل صحيفة “Le Matin” لتغطية الحرب الجارية بسبب الحملة الإيطالية لاحتلال ليبيا، لقد كان وصوله حاسما، إنها أيام قليلة بعد معركة الهاني، إحدى أبرز المعارك التي خاضها المقاومون الليبيون ضد قوات الاحتلال الإيطالي، والتي تكبدت فيها الأخيرة خسائر تاريخية، وما كان منها سوى أن صبت غضبها على المدنيين، فارتكبت إحدى أبشع مجازر الاحتلال في حق المدنيين، وهجرت كثيرا من السكان، ونصبت المشانق في الساحات لترهيب السكان، كان شيرو شاهدا على كل هذا، موثقا ذلك بالصورة، وبالمراسلات الرسمية للصحيفة، والأهم المراسلات الشخصية مع عائلته التي كتبت بلغة متحررة من قيود الصحافة والسرديات الأوروبية، في إحدى مراسلاته يقول بوضوح:

“أعتذر للأشخاص الذين قد تصدمهم هذه الصور، لكن من الضروري أن يكونوا على علم بالفظائع المرتكبة”

في هذا المشهد العنيف، كان شيرو يقف في مساحة معقدة، يصف الأستاذ في جامعة باريس والمتخصص في قضايا الأرشيف والذاكرة الاستعمارية بول نورّو شيرو بأنه ليس مُدانا واضحا ولا مجرد ناقل للدعاية، بل هو عالق في تناقضات النظرة الاستعمارية ذاتها. ويضيف أن تعليقاته تكشف في آن واحد التأثر العميق والضغط الذي كان واقعًا عليه بحكم انتمائه الفعلي إلى معسكر الأوروبيين والمستعمِرين، وهو انتماء كانت تذكّره به الرقابة العسكرية في الميدان كما تذكّره به هيئة تحرير صحيفته في باريس.

تحتل المشانق التي نصبها الإيطاليون في الساحات العامة لإعدام المقاومين الليبيين للاحتلال، والمتعاونين معهم، أولئك الذين قرروا الدفاع عن وطنهم وحريتهم، مساحة واسعة من الصور التي التقطها، إنها صور تنبض بالألم، لكنه توثيق نادر لمراحل تلك الجريمة وتداعياتها، يكتب شيرو:

“نُفذ حكم الإعدام شنقًا على أربعة عشر عربيًا متهمين بالمشاركة في ثورة الشط.. وصل موكب الإعدام على تمام الساعة الرابعة والنصف صباحا في ساحة سوق الخبز بطرابلس، سار المحكوم عليهم بخطى ثابتة. كانوا يتمتعون بقوة شخصية وشجاعة لم أرَ مثلها في أي مكان آخر، عندما فُتحت أبواب المشنقة، سقطت الجثث الأربع عشرة معا. لم يصدر عنهم أي صراخ، لم يتحركوا قيد أنملة، فقط تأرجحت أرجلهم ببطء وثبات.. أبقيت الجثث معروضة طوال اليوم”

وكما تشير باغانو، تُظهر صور الشنق عنفا استعماريا مصممًا ليُرى، ومعروضا في الفضاء العام بوصفه رسالة سياسية، ويتيح لنا كتاب شيل فهم أن هذه الممارسات العنيفة لا تندرج ضمن تجاوزات معزولة، بل ضمن جهاز استعماري متماسك وسياسة واضحة وممنهجة، ولم يقتصر الأمر هنا على فعل الشنق والإعدامات الميدانية فقط، بل تجاوزه إلى التعامل ما بعد الموت، يكتب غاستون شيرو:

“… كانت الأرض ما تزال مفروشة بالجثث في أرجاء طرابلس، لم يدفنها الإيطاليون، كانت الشمس تحرقها أو كانت الكلاب تنهشها”

كان هذا الاقتباس جزءا من رسالة خاصة مرسلة إلى عائلته، تظهر في آخرها تأملات ومقارنة لا تخلو من سخرية حيث يقول: “عندما يُسمح بفعل الشيء نفسه لموتاهم، يثور الإيطاليون… على أي حال!” تظهر الرسائل الشخصية التي أرسلها شيرو لعائلته، عن كتابة أكثر قلقًا، وأكثر تعاطفا، وأكثر نقدًا تجاه العنف الاستعماري، في رسالة أخرى إلى والدته يقول شيرو:

“أمام حصاني، يرقد جثمان مسكين عار لم يُدفن قط رغم مرور عشرة أيام، وجدت جماجم هنا، وعظام سيقان هناك… الحرب أمر محزن، لكنها أشد حزنا وأسى في بلد كهذا”

وفي رسالة إلى ابنه يكشف عن جانب آخر من مأساة الأطفال في الحرب:

“عزيزي الصغير، لقد بحثت عن دمى أو ألعاب لك، لكن لا وجود لها في هذا البلد، الصغار لا يلعبون تقريباً”

ومن هنا تكمن أهمية عمل المؤلف بيير شيل في جمعه لتراث شيرو، فهذا المسار الطويل، الذي بدأ من صندوق مهمل في أرشيف إقليمي وانتهى إلى إعادة تركيب واحدة من أكثر الشهادات إرباكا عن بدايات الاحتلال الإيطالي لليبيا، لم يقدّمه بيير شيل كألبوم صور جامد، بل صاغه كبناء مركب تتقاطع فيه الصورة والنص والتحليل. وفيما جاء الفصل الأول مكرّسا لما يزيد عن مئتي صورة التقطها غاستون شيرو بين 1911 و1912، تلت ذلك فصول تجمع مقالات شيرو الصحفية، ثم رسائله الخاصة إلى زوجته وعائلته، وهي نصوص تكشف مسافة واضحة بين خطاب الصحافة الخاضع للرقابة، واللغة الشخصية التي يكتب بها شيرو عن المشانق، والجثث، والكوليرا، والحياة اليومية في طرابلس. أما القسم الأخير من الكتاب، فيضم دراسات تحليلية أنجزها شيل وباحثون آخرون، تضع هذه المواد في سياقها التاريخي والسياسي، وتتناول تاريخ تداول أرشيف شيرو لاحقًا في المعارض والنقاشات العامة.

يقدّم الكتاب وثيقة تاريخية بصرية ونصية، لواحدة من أهم فصول تاريخ ليبيا وأكثرها قسوة ومرارة، ويكشف مرة أخرى، أن الكثير من حكايات الليبيين المنسية، ماتزال محبوسة في أدراج الأرشيفات وخزائن المكتبات، في  انتظار من يكشف عنها ويعطيها حقها من التوثيق والتذكر.

في واحد من مقالاته الأخيرة التي نشرها غاستون شيرو في يناير سنة 1912، يصف مشهد مغادرته لطرابلس، والظلال التي تركتها معايشته للتجارب المريرة في هذه المدينة:

“مغادرة طرابلس أشبه بالانتصار في معركة، وعلى بعد ميلين من الساحل، عندما تجد نفسك على متن السفينة التي ستقلك بعيدا عن هذه الأرض التي شهدت فيها مشهدا مرعبا لموت حضارة عريقة لم تخترقها أي حضارة من قبل، تتساءل إن كان ما قد عشت حلما سيئا، وإن لم تكن الأيام التي انطبعت تواريخها في ذاكرتك بأرقام حمراء سوى مراحل كابوس طويل.

اختفت طرابلس. ابتعدت المدينة، ممتدة بكل بياضها عند اقدام مآذنها ذات القباب الخضراء؛ ثم ارتفعت الواحة فغطتها، وبعدها ظهر خلفها الخط الشاحب للصحراء، ومن وراء ذلك برزت الجروف الصخرية التي كنا نلمحها من الخنادق ونحسبها بعيدة، فإذا بها الآن تبدو قريبة وعالية. وتلاشى كل ذلك في سماء قرمزية، تشبه الوجوه التي رأيناها في بعض أمسيات القتال”