معركة الشقيقة في ترهونة… حين هُزمت إيطاليا خارج كتبها الرسمية
بقلم | إبراهيم محمد النعاجي
لم تكن معركة الشقيقة مجرد اشتباك عسكري عابر في تاريخ الجهاد الليبي، بل مثلت لحظة كاشفة لانكسار المشروع الاستعماري الإيطالي في غرب ليبيا، وتحديدًا في مدينة ترهونة، التي تحولت سنة 1915 إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين إرادة الأهالي وقوة الاحتلال.
تقع الشقيقة في أحد الأودية القريبة من ترهونة، وهي منطقة ذات طبيعة جغرافية معقدة، تجمع بين المرتفعات والمسالك الضيقة، ما جعلها موقعًا مثاليًا لحرب الكرّ والفرّ، وهو ما أدركه المجاهدون مبكرًا، في مقابل جهل القوات الإيطالية بطبيعة الأرض والمجتمع معًا.
ترهونة تحت الاحتلال: الهدوء الخادع
بعد احتلال إيطاليا لطرابلس سنة 1911، سعت إلى تثبيت وجودها في المدن الداخلية عبر حاميات عسكرية معزولة، من بينها ترهونة. ورغم المظهر الهادئ الذي حاولت سلطات الاحتلال فرضه، فإن المدينة كانت تغلي برفض شعبي واسع، غذّته السياسات القمعية، ومصادرة الأراضي، والإهانات المتكررة للسكان.
مع بداية سنة 1915، كانت الحامية الإيطالية في ترهونة تعيش عزلة فعلية، بعد اتساع رقعة المقاومة في العزيزية، وسوق الجمعة، وجبل نفوسة، وهو ما دفع المجاهدين إلى الانتقال من حالة الترقب إلى الفعل المنظم.
من الحصار إلى الانفجار
بدأت معركة الشقيقة فعليًا بفرض حصار غير معلن على الحامية الإيطالية، تم خلاله قطع طرق الإمداد، ومراقبة تحركات الجنود، واستنزافهم نفسيًا. لم يكن الهدف اقتحام المدينة مباشرة، بل جرّ القوات الإيطالية إلى خارج مواقعها المحصنة، وإجبارها على القتال في أرض لا تعرفها.
في منتصف مايو 1915، حاولت القيادة الإيطالية كسر الحصار بإرسال قوة عسكرية من العزيزية، لكنها وقعت في كمين محكم في محيط وادي الشقيقة والمناطق المجاورة. تكرر السيناريو نفسه مع قوة إسناد أخرى، ما أدى إلى خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، وأسر عدد من الجنود، وغنم كميات معتبرة من السلاح.
تكتيك ليبي أربك جيشًا أوروبيًا
ما يلفت في معركة الشقيقة ليس عدد المقاتلين أو الأسلحة، بل طريقة القتال. فقد اعتمد المجاهدون على:
تقسيم القوة إلى مجموعات صغيرة متحركة
استخدام الأرض كجزء من الخطة العسكرية
ضرب خطوط الإمداد بدل المواجهة المباشرة
الانسحاب المنظم بعد كل هجوم
وهو أسلوب سبق ما يُعرف اليوم بحرب العصابات، وأثبت فعاليته في مواجهة جيش نظامي مدجج بالسلاح لكنه فاقد للمرونة.
قيادة بلا مركز… ومقاومة بلا اختراق
لم يكن للمقاومة في ترهونة قائد واحد ظاهر، بل كانت تُدار عبر تنسيق قبلي وميداني ذكي، ما صعّب على الاستخبارات الإيطالية اختراقها أو تصفية قياداتها. كما لعب المجتمع المحلي دورًا حاسمًا، حيث شارك الأهالي في الإمداد، وإخفاء السلاح، ونقل الأخبار، بل ومعالجة الجرحى، في صورة نادرة من التلاحم المدني العسكري.
نتائج تتجاوز ساحة المعركة
أجبرت خسائر الشقيقة إيطاليا على إعادة حساباتها في غرب ليبيا، وسحبت قواتها من ترهونة لفترة، ما جعل المدينة واحدة من أوائل المناطق التي تحررت فعليًا بقوة السلاح الشعبي. كما ساهمت المعركة في رفع الروح المعنوية للمجاهدين في مناطق أخرى، ورسّخت قناعة أن الاحتلال يمكن هزيمته، لا فقط مقاومته.
لماذا غُيّبت معركة الشقيقة؟
رغم أهميتها، لم تحظَ معركة الشقيقة بمكانتها المستحقة في كتب التاريخ، ويعود ذلك إلى اعتماد السرد الاستعماري الإيطالي على تجاهل الهزائم المحلية، إضافة إلى ضعف التوثيق المكتوب للمصادر الليبية، واعتماد كثير من أحداث الجهاد على الرواية الشفوية.
خاتمة
معركة الشقيقة ليست ذكرى محلية تخص ترهونة وحدها، بل صفحة وطنية تؤكد أن الليبيين، حين توحدوا حول الأرض والكرامة، استطاعوا أن يهزموا قوة استعمارية حديثة بإمكانات بسيطة وإرادة صلبة. وإعادة كتابة هذه المعارك اليوم ليست ترفًا تاريخيًا، بل واجب وطني في مواجهة النسيان والتزييف.
المصادر
موقع المعرفة: معركة الشقيقة
وثائق محلية عن الجهاد في غرب ليبيا (1911–1916)
روايات تاريخية متداولة لدى باحثي تاريخ ترهونة
تقارير إحياء الذكرى السنوية لمعركة الشقيقة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق